العلامة المجلسي

205

بحار الأنوار

أنها أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة مسكنها السماوات ، وهذا قول أكثر المسلمين . وثانيها قول طوائف من عبدة الأوثان ، وهو أن الملائكة في الحقيقة هو هذه الكواكب الموصوفة بالاسعاد والانحاس ، فإنها بزعمهم أحياء ناطقة ، وأن المسعدات منها ملائكة الرحمة ، والمنحسات منها هي ملائكة العذاب . وثالثها : قول معظم المجوس والثنوية ، وهو أن هذا العالم مركب من أصلين أزليين وهما النور والظلمة ، وهما في الحقيقة جوهران شفافان حساسان مختاران قادران متضادا النفس والصورة مختلفا الفعل والتدبير ، فجوهر النور فاضل خير نقي طيب الريح كريم النفس ، يسر ولا يضر ، وينفع ولا يمنع ، ويحيي ولا يبلي ، وجوهر الظلمة على ضد ذلك . ثم إن جوهر النور لم يزل يولد الأولياء وهم الملائكة لا على سبيل التناكح بل على سبيل تولد الحكمة من الحكيم والضوء من المضئ ، وجوهر الظلمة لم يزل يولد الأعداء وهم الشياطين على سبيل تولد السفه من السفيه لا على سبيل التناكح ، فهذه أقوال من جعل الملائكة أشياء متحيزة جسمانية . القول الثاني : أن الملائكة ذوات قائمة بأنفسها وليست بمتحيزة ولا أجسام فههنا ، قولان : أحدهما : قول طوائف من النصارى ، وهو أن الملائكة في الحقيقة هي الأنفس الناطقة بذاتها المفارقة لأبدانها على نعت الصفا والخيرية ، وذلك لأن هذه النفوس المفارقة إن كانت صافيه خالصة فهي الملائكة ، وإن كانت خبيثة كدرة فهي الشياطين . وثانيها قول الفلاسفة وهي أنها جواهر قائمة بأنفسها ليست بمتحيزة البتة ، وأنها بالماهية مخالفة لنوع النفوس الناطقة البشرية ، وأنها أكمل قوة منها وأكثر علما ، وأنها للنفوس البشرية جارية مجرى الشمس بالنسبة إلى الأضواء ثم إن هذه الجواهر على قسمين : منها : ما هي بالنسبة إلى أجرام الأفلاك والكواكب كنفوسنا الناطقة بالنسبة إلى أبداننا ، ومنها ما هي أعلى شأنا من تدبير أجرام الأفلاك بل هي مستغرقة في معرفة الله ومحبته ومشتغلة بطاعته ، وهذا القسم هم الملائكة المقربون ، ونسبتهم إلى الملائكة الذين يدبرون السماوات كنسبة أولئك